أبي حيان التوحيدي
110
المقابسات
ما فعلت ، فليهن عليك ذلك ، فما انبريت له ، ولا اجترات عليه ، حتى استخرت اللّه عز وجل فيه أياما وليالي ، وحتى أوحى إلىّ في المنام بما بعث راقد العزم ، وأجدّ فاتر النية ، وأحيا ميت الرأي ، وحث على تنفيذ ما وقع في الروع ، وتربع في الخاطر ، وأنا أجود عليك الآن بالحجة في ذلك إن طالبت ، أو بالعذر إن استوضحت ، لتثق بي فيما كان منى ، وتعرف صنع اللّه تعالى في ثنيه لي إن العلم ، حاطك اللّه يراد للعمل ، كما أن العمل يراد للنجاة . فإذا كان العمل قاصرا عن العلم كان العلم كلّا على العالم . وأنا أعوذ بالله من علم عاد كلّا ، وأورث ذلا ، وصار في رقبة صاحبه غلا ، وهذا ضرب من الاحتجاج المخلوط بالاعتذار . ثم اعلم ، علمك اللّه الخير ، أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سره وعلانيته : فأما ما كان سرا فلم أجد له من يتحلى بحقيقته راغبا ، وأما ما كان علانية فلم أصب من يحرص عليه طالبا . على أنى جمعت أكثرها للناس ، ولطلب المثالة منهم ، ولعقد الرئاسة بينهم ، ولمد الجاه عندهم ، فحرمت ذلك كله ، ولا شك في حسن ما اختاره اللّه لي ، وناطه بناصيتي ، وربطه بأمري . وكرهت مع هذا وغيره أن تكون حجة على لا لي . ومما شحذ العزم على ذلك ورفع الحجاب عنه أنى فقدت ولدا نحيبا ، وصديقا حبيبا ، وصاحبا قريبا ، وتابعا أديبا ، ورئيسا منيبا ؛ فشق على أن أدعها لقوم يتلاعبون بها ، ويدنسون عرضى إذا نظروا فيها ، ويشمتون بسهوى وغلطى إذا تصفحوها ، ويتراؤون نقصى وعيبى من أجلها . فان قلت : ولم تسمهم بسوء الظن ، وتقرع جماعتهم بهذا العيب ؟ فجوابى لك : إن عيانى منهم في الحياة هو الذي حقق ظني بهم بعد الممات . وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صح لي من أحدهم وداد ،